خليل الصفدي
47
نكت الهميان في نكت العميان
وقال : في الدرجة الخامسة عشرة من برج الدلو من يولد بها يكون ناقص الأعضاء مثل ضعف البصر ، أو يكون أشل ، ولكنه عظيم الهمة ، واسع القدرة والحيلة ، مختال ، فخور . وقال : في الدرجة الرابعة عشرة من برج الحوت من يولد بها يكون ملكا ، رفيعا ، عظيما ، رحيما ، صالحا ، إلا أنه ردئ السياسة ، ضعيف العقل ، تكون أيامه مضطربة ، ولا يستوسق له أمر ، ثم إنه تسمل عيناه بيد عدو له ، فيظفر به بالحيلة والمكر ، ويعيش دهرا صالحا بالمكر ضريرا . قلت : هكذا يعتقد المنجمون ، وليس لهم على ذلك دليل قطعي يذكرونه ، ولكنهم يزعمون أن ذلك مبنى على التجربة والإلهام ، والذي يدل من حيث النظر والبحث على أن هذه الأشياء التي يقولون : إن المولود إذا ولد في الدرجة الفلانية من البرج الفلاني دل على أن يكون كذا وكذا ، باطلة لا أصل لها يرجع إليه أولو العقول السليمة . والدليل عليه أنهم يذكرون لكل درجة من درج كل برج حكما يخالف الدرجة الأخرى ، وهذا أمر يقضى أن ماهية كل درجة تخالف ماهية الدرجة الأخرى ، وكل برج يخالف البرج الآخر باختلاف ماهيات درجاته ، وهذا يؤدى إلى أن الفلك مركبا . وقد أقام أرباب المجسطى الدلائل المبرهنة على أنه بسيط ، والبسيط ما أشبه جزؤه كله ، وأرباب المجسطى هم أصحاب الأصول في علم الفلك ، ومتى ادعى مدّع في أن الفلك مركب فسدت عليه أصول كثيرة ليس هنا موضع ذكرها ، فثبت أن القول بأن كل درجة لها خاصة تمتاز بها في الحكم عن غيرها ، باطل بهذا البرهان ، واللّه أعلم . وأيضا فإن الصورة في الخارج تكذّب هذه الدعاوى ؛ لأن الفلك مقسوم بثلاثمائة وستين درجة ، وهذا تنكلوشا قد ذكر فيما تقدم أن هذه الست درج التي نص عليها يختص كل منها بعمى من يولد بها وهي طالعة ، فإذا فرضنا أن كل درجة يولد فيها مولود يجب أن يوجد في كل ثلاثمائة وستين إنسانا ستة عميان . ونحن لا نشاهد الأعمى إلا في الآلاف ، فما بقي غير الاعتراف والرجوع إلى الحق ، والقول بأن اللّه تعالى اختار أن يكون هذا المولود أعمى دون غيره ، لا أن ولد في الدرجة الثالثة من السرطان ، ولا أن ولد في العشرين من برج الأسد ، ولا في غير ذلك مما ادعوه أنه من خواص الدرجات المذكورة ، فسبحان الفاعل المختار القادر على ما يشاء .